ابراهيم بن محمد الاصطخري ( الكرخي )
8
المسالك والممالك ( ط مصر )
كتاب ابن خرداذبه وكتاب الجيهانى وتذكرة أبى الفرج قدامة بن جعفر ] « 1 » . ظلت هذه الكتب تستحوذ عليه حتى لقى الإصطخرى في بغداد ، فأخذ كتابه واستغنى به عن غيره من الكتب . يرى الدارس لهذه الفترة من تاريخ علم البلدان أنّ هذا العلم قد تطور على يدي رجلين يعدّان من النوابغ هما أبو زيد البلخي والجيهانى ، حتى ليمكن أن يقال إن مخالفتهما أمر كان ينبغي أن يبرّر ، خالفهما المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم ، خالف الجيهانى - الذي كان يسمى ما بين دجلة والفرات بابل - في هذه التسمية وسمّى الإقليم العراق ، وبيّن ذلك في قوله : [ . . ألا ترى الجيهانى ابتدأ بذكر هذه النواحي وسماها إقليم بابل . . . وقد شققنا الإسلام طولا وعرضا فما سمعنا الناس يقولون إلا هذا إقليم العراق وأكثر الناس لا يعلمون أين بابل ] « 2 » ، وخالف أبا زيد البلخي في تقسيم المشرق وبيّن هذا في قوله : [ وقد جعله أبو زيد ثلاثة أقاليم خراسان وسجستان وما وراء النهر وأما نحن فجعلناه واحدا ذا جانبين يفصل بينهما جيحون ] « 2 » ، يتضح مما سقناه حقيقة هي ما لهذين الرائدين أبى زيد البلخي والجيهانى من مكانة سامية عند رواد علم البلدان ، هذه المكانة الممتازة هي التي جعلت النساخ يضعون على كتاب الاصطخري في هذا العصر المبكر ، الاصطلاح الذي جاء به أبو زيد البلخي وهو صور الأقاليم إلى جانب عنوان الكتاب الأصلي ، الأمر الذي أشكل على دائرة المعارف الإسلامية فنسبت كتاب الاصطخري لأبى زيد البلخي أو جعلته معوّلا عليه ، وهذه شبهة ليس لها سند أو دليل ، وقد أطلقها كاتب مادة الاصطخري دون أن يؤيد دعواه بأية حجة تسوّغ قوله ، ولئن كانت هذه الدعوى غير مؤيدة بالبرهان ، ومن ثم فهي تستحق الإهمال ، لكن لا يفوتنا أن نشير إلى أن صحة نسبة الكتاب إلى الاصطخري يقوم عليها الدليل من الكتاب نفسه ومن المعاصرين ، ففي حديث الاصطخري عن فارس يشير إلى رسالة ألّفها ، قال : [ وقد ذكرت في الرسالة ما يعلم من قرأها موضع كل كورة برساتيقها ومواضع المدن بها إن شاء اللّه تعالى ] ، ويشهد ابن حوقل أنه لقى الاصطخري أبا إسحاق الفارسي في بغداد وأخذ منه كتابه لتصحيحه كما زعم ، قال : [ ولقيت أبا إسحاق الفارسي وقد صوّر هذه الصورة لأرض الهند فحلطها وصوّر فارس فجوّدها وقد كنت صورت أذربيجان التي في هذه الصفحة فاستحسنها والجزيرة فاستجادها وأخرج التي لمصر فاسدة وللمغرب أكثرها خطأ وقال قد نظرت في مولدك وأثرك وأنا أسألك إصلاح كتابي هذا حيث ضللت فأصلحت منه غير مشكل وعزوته إليه ] « 3 » ، والواضح من قول ابن حوقل وضوحا لا يقبل الشك ولا الجدل أنّ للاصطخرى كتابا وأنه أصلحه كما زعم ، وأن هذا الكتاب منسوب للأصطخرى ، زد على ذلك أن ياقوت الحموي في معجم البلدان ينقل
--> ( 1 ) ابن حوقل ص 236 ليدن . ( 2 ) ص 115 ، ص 116 ليدن . ( 3 ) ص 236 ليدن .